علم الدين السخاوي

507

جمال القرّاء وكمال الإقراء

ناداه المهاجرون والأنصار ، يا معاوية ، نقصت الصلاة ؟ أين بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ « 1 » وأين التكبير إذا خفضت ورفعت ؟ فكان إذا صلّى بهم بعد ذلك قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وكبّر ) « 2 » . وهذا يدل على أن الجهر بها في أول الفاتحة في الصلاة من عمل أهل المدينة ، وأنها آية منها ، لقولهم : نقصت الصلاة ؟ « 3 » . وروى عكرمة عن ابن عباس ( أنه كان يفتتح ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يجهر بها ، وكان يقول : إنّما ذلك شيء سرقه الشيطان من الناس ) « 4 » اه . وأما من لم يعدها آية من الفاتحة ، وأسقطها منها ، فإنه احتج بما رواه ( قليس ) « 5 » بن

--> يلي : صلى معاوية بالمدينة صلاة فجهر فيها بالقراءة ، فقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لأم القرآن ، ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها ، حتى قضى تلك القراءة ، ولم يكبر حين يهوي ، حتى قضى تلك الصلاة ، فلما سلم ناداه من سمع ذلك من المهاجرين من كل مكان ، يا معاوية ، أسرقت الصلاة أم نسيت ؟ فلما صلى بعد ذلك قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * للسورة التي بعد أم القرآن . . . اه . ( 1 ) جاء في ظ بعد البسملة : وكبر ، وهذا يدل على أن الجهر ، وهو تكرير لما سيأتي بعد سطر بانتقال النظر . ( 2 ) رواه الشافعي - كما قال المصنف - في كتاب الأم باب القراءة بعد التعوذ ( 1 / 108 ) وعبد الرزاق في المصنف باب ( قراءة ) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * ( 2 / 92 ) . والدارقطني بسنده إلى الشافعي بالسند المذكور ، وفي آخره فلم يصل بعد ذلك إلا قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * لأم القرآن وللسورة التي بعدها ، وكبر حين يهوي ساجدا ، رواته كلهم ثقات اه سنن الدارقطني ( 1 / 311 ) وعزاه السيوطي إلى الشافعي في الأم والدارقطني والحاكم وصححه والبيهقي . الدر المنثور ( 1 / 21 ) . ( 3 ) قال أبو بكر الرازي الجصاص : - عقب ذكره لحديث الشافعي هذا عن معاوية - فمن احتج بهذا قيل له : لو كان ذلك لعرفه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن المغفل وابن عباس ، ومن روينا عنهم الإخفاء دون الجهر ، ولكان هؤلاء أولى بعلمه لقوله عليه السلام « ليليني منكم أولو الأحلام والنهى » . وكان هؤلاء أقرب إليه في حال الصلاة من غيرهم من القوم المجهولين الذين ذكرت ، وعلى أن ذلك ليس باستفاضة ، لأن الذي ذكرت من قول المهاجرين والأنصار ، إنما روايته من طريق الآحاد ، ومع ذلك فليس فيه ذكر الجهر ، وإنما فيه إنه لم يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * ونحن ننكر ترك قراءتها ، وإنما كلامنا في الجهر والإخفاء أيهما أولى ، واللّه أعلم اه أحكام القرآن ( 1 / 17 ) وقد أفاض الزيلعي في الكلام عن هذا الحديث وتفنيده سندا ومتنا فانظره في نصب الراية ( 1 / 353 ) . ( 4 ) تقدم نحوه قريبا . ( 5 ) هكذا في الأصل ، وفي بقية النسخ : قيس . وهو الصحيح .